حمى الهليون



ما أن أطل الربيع، حتى تسارع الألمان إلى خضرتهم المفضلة: الهليون. على أثر وجبة لذيذة.

يرتبط اسم الكثير من بلدان العالم باسم نوع تقليدي معين من الخضار. البندورة (الطماطم) في إيطاليا، والأرضي شوكي في فرنسا، والفاصولياء في إنكلترا. وإذا ما بحث المرء عن نوع محدد من "الخضار التقليدية" الألمانية، سرعان ما يتبادر إلى الذهن الملفوف أو البطاطا. نوعان من الخضار يجتمعان على أمرين: كلاهما يمنح الشعور بالشبع وكلاهما يتمتعان بسهولة التحضير.


 ولكن هذا ليس سوى مجرد حكم مسبق، ترسخ في الأذهان، رغم أن الواقع اليومي يثبت بطلانه: حيث أن الخضار المعروضة في الأسواق اليومية والأسبوعية الألمانية في غاية التنوع. وحسب الفصل من السنة تتوفر مختلف أنواع المنتجات الزراعية. من يراقب ربات البيوت أو الرجال المتسوقين في ألمانيا في فصل الربيع يلاحظ عصبية متزايدة يوميا: حيث تتنقل أنظارهم من بائع إلى آخر، باحثين عبثا عن شيء ما. إنهم يبحثون جاهدين عن مجموعة من القضبان العاجية اللون معروفة باسم الهليون (بالألمانية: شبارغل). تنمو هذه القضبان التي يقارب طولها 30 سنتيمترا داخل التربة، عندما يبدأ دفء الربيع في التسلل إلى طبقاتها الداخلية.

 ويشكل الهليون الخضرة المفضلة لدى الألمان بين شهري نيسان/أبريل وحزيران/يونيو. الهليون هو الدليل القاطع على انتهاء فصل الشتاء القارص. ويسميه المزارعون "الذهب الأبيض". وقد أنتجوا في العام الفائت 100000 طن من الهليون على مساحة تعادل 450 مرة مساحة دولة الفاتيكان، أو 28000 ملعب كرة قدم. ويدفع عشاق الهليون ثمنا يمكن أن يصل إلى 10 يورو للكيلو الواحد من النوعية الجيدة، وهو سعر لا يصل إليه أي نوع آخر من الخضار. يعتقد أن الرومان كانوا هم الذين نقلوا الهليون إضافة إلى النبيذ إلى المناطق الواقعة شمالي جبال الألب. وفيما بعد اهتمت الأديرة بشكل رئيسي بهذه الخضرة "الثمينة"، كما تم استخدامها كنبتة طبية. 

وقد تحدث أبو الطب، اليوناني "أبقراط" عن الهليون، واعتبره دواء يساعد على تنقية الجسد. وقد عشق الرومان النوع الأخضر منه، وكان يتواجد على كل موائدهم الفاخرة، حتى أنه ورد عنهم مقولة، إذا كان من أمر يجب أن يتم سريعا، فإنه "يجب أن يكون أسرع من طبخ الهليون". ما يعرف اليوم على أنه هليون أبيض أو شاحب، وينتهي على موائد الطعام، هو في الواقع اختراع من العصر الحديث. فقد وجد المرء أن الهليون يحتفظ بلونه الأبيض فقط عندما ينمو داخل الأرض بعيدا عن نور الشمس. لهذا السبب يتم تشكيل تموجات في سطح التربة يمكن لبراعم النبتة أن تنمو تحتها، حيث تكفيها حرارة 12 درجة مئوية للنمو. وعندما ترتفع، الحرارة تنمو القضبان بمعدل يقرب من 75 ميليمترا في الساعة. ويمكن للمرء مشاهدة تموجات في سطح التربة خلال فصل الربيع، في كل مكان في ألمانيا تتوفر فيه تربة رملية جافة تسمح بزراعة الهليون، حيث تتم تغطيها غالبا بطبقة من النايلون الأسود، كي لا يصل إليها ضوء الشمس، وكي تضمن دفئا للتربة يساعد على النمو. يبدو المشهد وكأن الفنان كريستو قد لف الأرض بهذه الورقات السوداء، كما فعل قبلها في أعماله الفنية في لف الأبنية، والتي ساعدت في شهرته. يعتبر الهليون في الواقع من عائلة الزنابق التي تنمو بشكل رئيسي على شكل جذور داخل التربة. ويمكن أن يصل طول الجذر إلى ستة أمتار في عمق الأرض، بينما تظهر براعمه على شكل هليون يشق الأرض شاقوليا نحو الأعلى. ابتكر بعض المزارعين أجهزة تدفئة يستخدمونها لتدفئة الأرض، كي تساعد على نمو الهليون باكرا وبسرعة، مما يمكنهم بالتالي من أن يكونوا السباقين في بيع محصولهم في الأسواق. ماء الري الدافئ يساعد أيضا في تسريع عملية النمو، وكلما كان المحصول مبكرا، كان الثمن مرتفعا. 

رغم أن الهليون يزرع في كافة الولايات الألمانية، إلا أنه يوجد مناطق تعتبر "موطن" الهليون. شروبنهاوزن (بافاريا)، شفيتسنغين (بادن - فورتمبيرغ)، بيليتس (براندنبورع)، مجرد ذكر هذه المناطق يسيل لعاب عشاق الهليون. الماء هو الحياة! هذه القاعدة تنطبق أيضا على الهليون الذي يتكون في 93% من الماء، وما تبقى هو كربوهيدرات وبروتين. وبما أنه يحتوي بالكاد على الدهون، فهو لا يسبب السمنة. وتعود نكهته اللاذعة الخفيفة إلى حمض الاسباراجين (وهو حمض أميني) وترابطات كبريتية خفيفة، تشكل السبب في رائحة غريبة للبول تظهر دوما بعد تناول الهليون. هل هو شكله الذي يمنحه جمالا ويضفي عليه صفة الإثارة الجنسية؟ علميا ليس هناك ما يثبت ذلك. ولكن هذا لم يمنع أفراد فرقة "كوميديان هارمونيستس" من تأدية أغنيتهم الشهيرة عن الربيع "يبدو العالم مسحورا – فيرونيكا .. الهليون ينمو" التي مازالت تحتفظ بشهرتها منذ العام 1930 حتى اليوم، والتي لا يمكن لأحد أن يسيء فهم ما تشير إليه. سر الهليون إذا هو أنه طازج: ساعات قليلة بعد اقتلاعه من التربة يحط الرحال على موائدنا. حيث أنه لا يمكن تخزينه. تماما في 24 حزيران من كل عام، وهو يوم "يوهاني" تنتهي حمى الهليون. وكما يقول المثل الشعبي الألماني: "عندما ينضج الكرز، يموت الهليون"

وسوم: مطبخ , ألمانيا بلد السياحة, الهليون, طعام

Deutschland.de

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إن اشتراكك في المدونة يمكنك طرح الأسئلة والإجابة عليها وبالطبع يمكنك أيضا من إبداء رأيك بكل حرية والتواصل مع الأعضاء الآخرين . خذ دقيقة من وقتك واشترك في المدونة .

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.