رحلة الشتاء البيضاء


الثلج هو الغبار السحري الذي يغطي الطبيعة كل عام ويحولها إلى صورة من صور الحكايات الخرافية.

للوهلة الأولى يبدو باردا هشا كئيبا، وربما قاسيا أحيانا. ولكن عندما يقترب منه المرء، ويتعرف إليه بشكل أفضل، سرعان ما يستكشف فيه العمق والطمأنينة والجمال التي ترفع حرارة القلب، وتزيد الشعور بالدفء، حتى مع درجات الحرارة المنخفضة تحت الصفر، ومع تراكم الثلوج. إنه شتاء ألمانيا. الذي يستقبله البعض أحيانا بكل سرور فاتحين له الذراعين، أو يقومون بزيارته، هناك، حيث يتجلى في أجمل صوره وأنصعها بياضا. في الغابة السوداء، في مناطق هارتس، في جبال إرتس، في مرتفعات تاونوس، في رونوند، وبالتأكيد في جبال ألمانيا الأكثر ارتفاعا، جبال الألب ومناطق سهول الألب، وفي كل مكان حيث يسود البرد ويكون الثلج ممتدا كالبساط "الأحمر".

عمليا تمتد أمام كل باب بيت ألماني مشاهد الشتاء الرائعة، التي تسحر العقول بزينتها البيضاء التي تكسو الطبيعة وتغير المشهد العام في البلاد بأبسط الأساليب. الثلج "غبار الشتاء الساحر" يوفر الشعور بالهدوء، وشمس الشتاء الصافية تمنح خلفية ضوئية رائعة لهذا المشهد. إضاءة متميزة تنير المشهد والأجواء معا، تمنحها زرقة السماء، مثيرة موجة من النشاط والحيوية تطغى على كل جمال نشاطات الصيف: مناطق رياضة الثلج الألمانية تتربع على قمة النشاطات الرياضية. إنها توفر فرصا عديدة للاستمتاع "ببياض" هذا العالم، من خلال التزلج على الثلج أو التجول بين أحضان الطبيعة المكسوة بالبياض أو غيرها من أنواع التزلج على الثلج والجليد. ويوجد في ألمانيا أيضا "الجليد الأزلي" الذي يغطي قمة تسوغ شبيتسة (الأعلى في ألمانيا) التي تحيط بها ثلاثة أنهار (منحدرات) جليدية، من بينها أكبر اثنين في ألمانيا: المنحدر الثلجي الشمالي بمساحة تصل إلى 30,7 هكتار، ومنحدر هولنتال بمساحته البالغة 24,7 هكتار.

يصادف المرء في منطقة هارتس ظروفا أشبه بتلك السائدة في آيسلندة. فعلى قمة بروكن التي ترتفع 1141 مترا، والتي تعتبر "كلمنجارو" شمال ألمانيا لأنها الأعلى هناك، تسود غالبا رياح شديدة البرودة وظروف مناخية قاسية، ويتراكم الثلج 120 يوما في السنة.

"بروكن هو ألماني حقيقي" كتب هاينريش هاينة في العام 1824 في "رحلة عبر هارتس"، وربما كان يعني بذلك أن وجه الشبه بين الجمال الساحر للطبيعة وبين عقلية الناس هناك ليس مجرد مصادفة.

يمكن أن يكون الشتاء الألماني أيضا حالما. الصخور التي حولها ملك بافاريا لودفيغ الثاني إلى قصر مهيب مثل قصور الأحلام، هو قصر نويشفانشتاين، يبدو وكأنه قصر خيالي تغطيه طبقة السكر الناعم عندما يهطل الثلج، بل ويمكن أن يراه المرء وكأنه مجموعة من الغيوم تشكلت على هذا النحو، بصدفة جميلة. شيء مثل هذا لا وجود له في مكان آخر. ولهذا السبب، فإنه لا عجب في أن يكون الشتاء الألماني جزءا من وجدان "الشعور بالوطن"، بالنسبة للكثيرين الذين يعيشونه عاما بعد آخر. المشاهد الرائعة الجمال التي يولدها هذا الشتاء - شريطة وجود الثلج - تولد في النفوس الدفء والحنين الذي يطغى على البرد. إنه يرسخ جذور الانتماء إلى البيت والأسرة. وهذا ما يدركه الكثيرون، حتى الذين يعتقدون لبرهة أنهم قادرون على الحياة بعيدا الثلج والجليد، ويختارون الحياة في مناطق الشمس الأبدية. وما أن يمر شهر كانون الأول/ديسمبر مرة أو مرتين بدون ثلج على الألمان الذين يستمتعون بالشمس في ظل أشجار النخيل في البلدان الدافئة، حتى يتأكد هؤلاء أنهم فقدوا جزءا من روحهم، وأن هناك فجوة في أعماق مشاعرهم، بسبب افتقادهم لمشاهد الثلج الذي يغطي الوديان والجبال، والغابات الهادئة التي يتغلغل الثلج في أعماقها، وشوقهم للسير على الثلج المتجلد، وأصوات تكسر الجليد تحت الأقدام المحمية بأحذية الشتاء المتينة. ويا لها من خسارة حقيقية، عندما يؤدي تغير المناخ والاحتباس الحراري إلى أن يتحول الشتاء إلى مجرد ذكريات.

في النهاية يمكن القول أن الشتاء الألماني قد أصبح جزءا من الثقافة الألمانية. الرحلات الشتوية أصبح لها تراث وتقاليد حتى في الأدب الألماني، من غوتة وهاينة وصولا إلى فولف بيرمان. كما أن الشتاء كان وراء إبداع أغنيات تقليدية شعبية رائعة، مثل أغنية "شني فلوكشن، فايس روكشن"،وهو ما يعني حبات الثلج حجارة بيضاء، إضافة إلى الكثير من موسيقى وشخصيات الشتاء. منها على سبيل المثال حكاية السيدة هولة، التي يشرح من خلالها الإخوة غريم كيف يتشكل الثلج، علاوة على أطايب الطعام المرتبطة بالشتاء الحقيقي، مثل النبيذ الساخن ومشروب "خليط لسان النار" والإوز المشوي وكعك القرفة "ليب كوخن". لكل ما سبق يمكن القول عن الشتاء الألماني أنه: الطريق الوحيد نحو السعادة.

كونستانسة كلايس

Deutschland.de

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إن اشتراكك في المدونة يمكنك طرح الأسئلة والإجابة عليها وبالطبع يمكنك أيضا من إبداء رأيك بكل حرية والتواصل مع الأعضاء الآخرين . خذ دقيقة من وقتك واشترك في المدونة .

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.